أمريكا وروسيا على حافة حرب جديدة

ذا ناشون – التقرير

يقول ستيفن كوهين، أستاذ الدراسات الروسية في جامعتي برينستون ونيويورك، إن المؤسسة الإعلامية السياسية الأمريكية تبنت روايتين حول الحرب مع روسيا. كلا الروايتين لا توجد لهما أي أدلة علنية. الأولى، تُسمى “بوابة الكرملين”، وهي أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمر باختراق اللجنة الوطنية الديمقراطية، ونشر رسائل عبر البريد الإلكتروني؛ للمساعدة في وضع دونالد ترامب في البيت الأبيض.

الأخرى أن الرئيس الأسد، حليف بوتين، أمر بالهجوم بالأسلحة الكيميائية الأسبوع الماضي على المدنيين السوريين، بمن فيهم الأطفال الصغار. هناك سرد ثالث قائم على الدين، تُروج له شبكة “MSNBC” على وجه الخصوص، منبثق عن الروايتين معًا، وهو أن هجوم ترامب الصاروخي الأخير على قاعدة جوية عسكرية سورية، كان في الواقع مؤامرة بين بوتين ترامب لتبرأة الرئيس الأمريكي الجديد من “بوابة الكرملين”، وبالتالي تمكينه من تقديم عطاءات بوتين في قضايا الأمن الوطني الأمريكي.

يشير كوهين إلى أنه بالإضافة إلى عدم وجود أي دليل فعلي على هذه الادعاءات، كذلك ليس هناك أي منطق فيها. الاستناد على التفسير بأن بوتين “كَرِه هيلاري كلينتون” للاحتجاجات التي وقعت في موسكو عام 2011، هو مجرد تشويه لذلك الحدث. لماذا يلجأ الأسد إلى استخدام الأسلحة الكيماوية، ومن ثم يهدد كل المكاسب العسكرية والسياسية والدبلوماسية التي حققها في العام والنصف الماضي، مع الوضع في الاعتبار أن له قوة جوية روسية تحت تصرفه كبديل؟

الرواية الفرعية الناشئة أن بوتين كذب عام 2013، عندما وافق هو والرئيس أوباما على أن الأسد دمر كل أسلحته الكيميائية، يقوم هو الآخر على تحريف واقعي. فالأمم المتحدة ووكالاتها الخاصة هي التي تحققت من التدمير الكامل لتلك الأسلحة وليس بوتين. يهدف هذا الادعاء بوضوح إلى تشويه سمعة عمل هام بالتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا، وهو أمر حيوي، في السنوات الأخيرة.

القول الروسي المأثور “الأقوال أيضًا أفعال” يثبت حقيقة ما على ما يبدو. قد يكون لهجوم ترامب الصاروخي على حليف روسيا في سوريا رغم الخطر الشديد غرض سياسي محلي؛ من أجل تفكيك الرواية التي تشل رئاسته، وأنه على نحو ما “دمية بوتين”. إذا كان الأمر كذلك، يضيف كوهين، فوسائل الإعلام الأمريكية التي عززت هذا السرد لعدة أشهر، متواطئة بعمق.

في الوقت نفسه، فإن الكرملين، الذي يراقب عن كثب مثل هذه الروايات التي تتكشف سياسيًا في واشنطن، أصبح قلقًا للغاية، استنادًا إلى كلماته المشحونة. أعلن رئيس الوزراء الديموقراطي دميتري ميدفيديف أن العلاقات الروسية الأمريكية “دُمرت”، كما لا يتذكر كوهين أي زعيم سابق في الاتحاد السوفياتي أو ما بعد الاتحاد السوفيتي.

أضاف ميدفيديف أن القوتين العظميتين النوويتين “على شفا” الحرب. بالنظر إلى أن ميدفيديف يُعتبر الشخص الرائد المؤيد للغرب في الدائرة الداخلية لبوتين، تخيل ما يقوله القوميون، من ناحية أخرى، لبوتين. إلا الكرملين يقول إن هجوم ترامب الصاروخي على سوريا عبر “الخطوط الحمراء” لروسيا مع كل ما يترتب على الحرب من انعكاسات في واشنطن.

كما أعلن بوتين أن استخدام القوات للأسلحة الكيماوية في سوريا “استفزاز”، وحذر من أن القوات الأميركية في واشنطن تخطط لمثل هذه “الاستفزازات” والضربات العسكرية. باختصار، في حين أن الكرملين لا يريد ولن يبدأ حربًا مع الولايات المتحدة، فإنه يستعد لإمكانية حدوث ذلك.

وزير الخارجية الجديد ترامب ريكس تيلرسون وصل إلى موسكو قبل أن تبدأ محادثاته مع القادة الروس في اليوم التالي. لا يزال غير مؤكد ما إذا كان بوتين نفسه سيجتمع مع تيلرسون، أو وزير الخارجية لافروف فقط. قد يكون بوتين زعيمًا استبداديًا في اتخاذ “القرار”، لكن القوى المؤثرة في الكرملين كانت ضد –وبقوة- اجتماع بوتين مع سكرتير أمريكي في أعقاب هذا الاستفزاز الأمريكي. مهما كان الأمر، يرى كوهين أن زيارة تيلرسون ذات أهمية حيوية، على الأقل بالنسبة للقيادة الروسية، وبوتين على وجه الخصوص.

يعرف تيلرسون بوتين وزعماء الكرملين الآخرين، حيث تفاوض معهم حول إحدى أكبر صفقات الطاقة في روسيا، والتي من شأنها أن تسهيل الوصول إلى موارد النفط الضخمة في البلاد تحت البحار المجمدة. وافق بوتين شخصيًا على الصفقة التي سعى إليها عمالقة النفط في جميع أنحاء العالم. لم يكن قد فعل ذلك إذا لم يستنتج أن تيلرسون كان رجل جاد وعالي الكفاءة.

بالتالي فإن الكرملين سيتوقع إجابات صريحة من تيلرسون على هذه الأسئلة المتعلقة بقضية الحرب أو السلام التي تلوح في الأفق. هل السرد الخالي من الحقائق السائد الآن في واشنطن سيكون العامل الحاسم في سياسة ترامب تجاه روسيا؟ هل هم سبب ارتكاب ترامب ذلك “الاستفزاز” في سوريا؟ هل يعني ذلك أن ترامب لم يعد يشارك أو يمكن أن يدعم الفرضية الاستراتيجية الأساسية لروسيا فيما يتعلق بالحرب الأهلية والوكالة في سوريا –فالإطاحة بالأسد تعني بالتأكيد تثبيت داعش أو جيش إرهابي آخر في دمشق، وهو ما يعتبره الكرملين تهديدًا خطيرًا لأمن روسيا القومي؟ الأهم من ذلك، من الذي يضع السياسة مع روسيا في واشنطن: الرئيس ترامب أو شخص آخر؟ سبق أن طرح بوتين السؤال نفسه علنًا حول الرئيس أوباما، عندما تم تخريب اتفاقهما حول التعاون العسكري في سوريا من قِبل وزارة الدفاع الأمريكية.

إن الأجوبة التي سيقدمها تيلرسون ذو الخبرة العالية –والمخضرم في مجال الاستخبارات- قد تفعل الكثير لتحديد ما إذا كانت الحرب الباردة الجديدة تزداد قربًا من “حافة” الحرب الساخنة، وبالتأكيد في سوريا. في الوقت نفسه، ينبغي لوسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية أن تعود إلى ممارستها المعلنة في وقت واحد من الدقيق في الوقائع مع فهم أن الكلمات هي في الواقع أفعال أيضًا.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات