أساطير حرب 1967 التي لا تموت أبدا

ذا أتلانتك – التقرير

تعتبر حرب عام 1967، بين العرب وإسرائيل، نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث حوّلت الصراع إلى منعطف مهم للغاية. نجحت إسرائيل بغزوها للضفة الغربية، غزة، الجولان، وشرق القدس، في خلق رواية واقعية أخرى متجددة، استطاعت أن تشكل أسلوب مساعي السلام، وأساليب شن الحروب في النصف قرن المقبل. لكنها تجربة مريرة للشعب الفلسطيني. لم يسعدوا بخوضها.

في الوقت نفسه، فكرة استمرار حرب الستة أيام خلقت يومًا سابعًا – كان ظلًا أسود حلّ على الصراع العربي الإسرائيلي  بلا هوادة طوال سنوات عديدة.

خلقت هذه الحرب نصبيها الخاص من الأزمات، إلا أنها هيأت أيضًا العديد من الفرص، وديناميكية جيدة أكثر واقعية بين الدول العربية والفلسطينيين، وهي ما عملت بدورها على تغيير نتائج الحرب نفسها، وحولت الكثير من ميدان الحرب العربي الإسرائيلي.

بوضع هذا بعين الاعتبار، سنذكر العديد من الأساطير الخاطئة المتعلقة بمركزية الحرب وتأثيرها. أساطير في حاجة إلى إعادة تقييمهما.

حرب 1967 أهم حرب مركزية ذات تأثير كبير على الصراع العربي الإسرائيلي

لا تتسرعوا، فبالطبع يوجد إعلام معاصر وسياسي وملف تذكاري أرّخ أحداث أي حرب أخرى بين العرب وإسرائيل. تسببت العديد من العوامل في وصف هذه الحرب بالذات بهذه الخاصية، مثل سرعة الجيش الإسرائيلي في الفوز بالحرب، وحجم الهزيمة الكبرى العربية، واحتلال إسرائيل للقدس، واستمرار طبيعة إسرائيل الاحتلالية، ومؤسستها الاستيطانية.

لكن رغم كل ما حدث، لا يزال هناك بصيص يسمح بالتناقش حول صراع عام 1948؛ لكونها الحرب الأهم في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. بسبب تلك الحرب، تأسست دولة إسرائيل، وتمحورت أزمة اللاجئين الفلسطينيين، والثورة السياسية في سياسات العرب، التي أدت إلى العديد من الانقلابات والثورات على الحكومات. منذ بداية هذا الصراع، تأصلت أزمات الهوية، اللاجئين، والاعتراف بدولة إسرائيل. استمرت الأزمات حتى يومنا هذا، لتصبح أصعب القضايا مراسًا في عمليات المفاوضات.

كما لا يمكننا أن نتهاون بدور حرب أكتوبر عام 1973، حيث تسببت حرب 1967 في ستة أعوام من المآزق المسدودة، لتتكسر الحواجز على يد الهجمات المشتركة بين مصر وسوريا، وما تبعها من عمليات دبلوماسية من أمريكا. بسبب حرب 1973، وليس حرب 1967، صاغ هارولد سونديرز، مساعد الوزير المسؤول عن شئون الشرق الأدنى، مصطلح “عملية السلام” أثناء محاولات كيسينجر للوصول إلى اتفاق يضع حجر أساس إتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.

كان هناك فرص حقيقية للصلح بين العرب وإسرائيل، إلا أنها بائت بالفشل في أعقاب الحرب

ليس بالفعل. كان هناك بالفعل هياج حقيقي للدفع بالمبادرات والتصريحات والمناوشات بين أمريكا وروسيا بعد فترة ما بعد الحرب. كما أُسس مجلس الأمن في نوفمبر 1967، وفقًا لقرار رقم 242 فيما يخص مفاوضات السلم العربية الإسرائيلية؛ ليوضح للعالم أهمية إرثها الدبلوماسي. لكن، عادةً ما تكون التدخلات، حتى وفي أفضل أحوالها، صعبة ومحفوفة بالمخاطر.

فقًا لخبراتي في العمل كمستشار للمفاوضات العربية الإسرائيلية مع كل من الحكومة الجمهورية والديمقراطية بين عامي 1988 و2003، أستطيع أن أصدّق على أن الدبلوماسيين وصانعي السلام عادة ما يتصورون فرصًا بعينها، حتى وإن لم تكن موجودة من الأساس.

في التاسع من يونيو من عام1967، قررت الحكومة الإسرائيلية في السر أن تقدم سيناء ومرتفعات الجولان، مقابل إتمام الاتفاقيات مع مصر وسوريا، إلا أنه لم يتم أي إتفاق جماعي فيما يخص الضفة الغربية، رغم اتفاق الحكومة على ضم غزة لدولة إسرائيل، إلى جانب توطين اللاجئين الآخرين الموجودين بالمنطقة.

 من هنا تم تمرير عرض الحكومة الإسرائيلية بصعوبة في قرارٍ واحد، بينما بادرت أقسام الجيش والسياسيون بتقديم عروض غير واردة. في الوقت نفسه، بينما كان العرب يترنحون نتيجة الهزيمة الفادحة، انشغلوا بالحفاظ على أوطانهم وبيوتهم؛ مما خلق نوعًا من الوحدة تباعًا؛ لما حدث لهم من إهانة عسكرية مشتركة.

كان من الطبيعي أن يواجَه اقتراح إسرائيل بالرفض التام، فمن المستحيل أن يُنفذ بالتراضي. اتجاه مصر إلى حرب الاستنزاف، إلى جانب تصلب الموقف العربي في المنطقة، تسبب في تحويل أي محاولات إلى قرارات مستحيلة التنفيذ. بينما استطاع اجتماع القمة العربية بالخرطوم، في أغسطس 1968، ذو الثلاثة اعتراضات – لا سلام، لا تفاوض، لا اعتراف – تلخيص معطيات الأزمة، رغم استعداد الرئيس المصري عبد الناصر بقبول الوساطة الأمريكية والروسية، وتقبل قرار نزع السلاح على الحدود المحتلة.

الحرب كارثة ساحقة للفلسطينيين

لم تكن الحرب كارثة مهولة كما يدعي العالم، حيث مثلت الحرب – المعروفة بالنكسة – هزيمة جديدة للشعب الفلسطيني. وفقًا للمصادر الإسرائيلية والأردنية – لتختار المصدر الذي تريد وتثق فيه منهما- أكدت على رحيل ما بين 175 ألف و250 ألف فلسطيني من الضفة الغربية. لكن رغم كل هذا، تسببت هذه الحرب في خلق العديد من التوابع غير المقصودة، والتي نجح من خلالها الشعوب العربية في إعادة تأسيس الحركة القومية الفلسطينية.

تسبب ضعف الثقة في الدول العربية، وخاصة إفلاس القومية العربية، في إجبار الشعب الفلسطيني على الانتفاض وحدهم، فأصبحوا هم، بعيدًا عن أنظمة الحكم العربية، رمزًا للرجل العربي الجديد، الذي يصحو في أعقاب الهزيمة الكاسحة، ولا يسمح بهزيمة تامة له ولإرادته.

عام 1968، قرر ياسر عرفات السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية. بعد مرور عامين، تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية في القمة العربية بالرباط، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

من هذا المنطلق، بدأ الشعب الفلسطيني في التحول. تحوّل الشعب الفلسطيني المعروف باللاجئين العاجزين قليلي الحظ في الأربعينات من القرن الماضي، إلى جماعات إرهابية في الخمسينات، ثم إلى أحزاب في الستينات والسبعينات، ثم وصلوا إلى التحاور السياسي بحلول الثمانينات. رغم إسقاطها السياسي، تعتبر الهزيمة العربية السبب الحقيقي وراء إعادة إحياء الهوية الفلسطينية، ليصل الشعب الفلسطيني إلى الاعتراف بوجوده على خريطة العالم السياسي.

حرب 1967 كارثة بالنسبة لعملية السلام

لم تكن كذلك تمامًا. بالنسبة للمصطلحات الاستراتيجية، تعد حرب 1967 السبب وراء خلق حقيقة جديدة واحدة، لا يوجد ثاني لها ولا يمكن إنكارها، وهي ضعف الدول العربية وفشلها السريع في هزيمة إسرائيل بالقوة، حتى وإن حاولت ذلك على عدة مراحل.

لكن، ما نتج عن حرب 1973، والتي كادت إسرائيل أن تدمر فيها الجيش الثالث المصري، وبوجود الجيش الإسرائيلي على مقربة من دمشق، وجلوس الملك حسين ملك الأردن على الهامش، أكدت فقط على ما كان جليًا للعالم مثل الشمس، أن مهما كان ما يشعر به زعماء العرب داخل قلوبهم، لا يملكون القدرات أو العتاد الكافي لتخليص المنطقة من الدولة اليهودية.

إبرام اتفاق فك الارتباط عن سوريا عام 1974، واتفاقية السلام مع مصر عام 1979، أدى إلى استحالة اتحاد جبهتين ضد إسرائيل. بينما تتجه العلاقات المتنامية بين القاهرة وعمان وواشنطن، إلى تقليص مخاطر صراع الدول. بالفعل، كان هناك حروب كبرى بين العرب وإسرائيل في كل حقبة من الزمان بنهاية القرن العشرين؛ 1948، 1956. 1967، 1973، 1982.

عام 1990 كان بداية أول حقبة خالية من الحروب ضد إسرائيل. بعد مرور 35 عامًا من وقف الصراعات، ورغم اندلاع الصراعات غير المتوازنة بين إسرائيل وحماس وحزب الله، إلا أن انتظام العلاقات بين إسرائيل ودول أهل السنة، وخاصة دول الخليج، تشهد على نشوب براجماتية جديدة من مشاركتهم؛ لتصور جديد بتهديد أمن المنطقة متمثلًا في زيادة عدد الجهاديين من السنة وإيران، وشعور الدول العربية بالإرهاق من القضية الفلسطينية.

بعد مرور 50 عامًا، أصبح العرب والإسرائيليون والفلسطينيون مستعدين لحل الأزمة

لا تراهنوا على تلك الأسطورة. فرغم التزام ترامب بعقد “الاتفاقية المثالية” بحلول 50 عامًا على فشل المفاوضات، لا بد وأن نرى هذه المحاولة من نظرة غير متفائلة بها.

حتى مع ذلك كله، لا يُظهر جوهر المأزق أي علامة واضحة على التغيير، فالفجوات المظلمة التي نتجت عن القضايا الأساسية، من حدود عام 1967، وموقف القدس، واللاجئين الفلسطينيين، والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، اجتمعوا ليشكلوا هوة مظلمة كبيرة.

لا يمكن أن نصل إلى عقد اتفاقية سلام واضحة دون أن نغلق تلك الفجوات. من هذا المنطلق، من الطبيعي أن تستمر ظلال حربي عام 1967 و1948 معلقة كما هي.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات