أحمد سليط: الحالة الداعشية وانعكاساتها على المشروع الإسلامي

ما أن يذكر أحدهم -اليوم- الخلافة الإسلامية ومرادفاتها من المصطلحات والكلمات التي تعبر عن المشروع الإسلامي؛ حتى تتبادر إلى أذهاننا صورة الأشلاء، والدماء، وصور التكفير، والأحكام بالردة، وصور قتال الجماعات الإسلامية بين بعضها بعضًا، وصور التشرذم الحاصل داخل الجسد الإسلامي الواحد. وما أن يذكر أحد منا مشتقًّا من مشتقات الخلافة الإسلامية؛ حتى يصوّر له عقله كل تلك المشاهد على شكل شريط من الصور تغطيه بعض القطرات من الدم المسلم.

بات المشروع الإسلامي اليوم -ومع الأسف الشديد- مرتبطًا -إلى حد ما في أذهاننا كمسلمين- بمناظر الدماء والأشلاء، بصور التشرذم والفرقة، وحتى بصور أحكام التكفير والردة.

ولعل أهم الأسباب التي صنعت هذه الحالة على الساحة الإسلامية والعربية؛ هو ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وكل من يطوف حول محرابه من الجماعات التي تعتبر نفسها إسلامية جهادية، حيث اكتسبت هذه التنظيمات الشهرة والترويج الضخم بفضل الآلة الإعلامية الغربية والعربية -المعنية بتسويقها على أنها تنظيمات إسلامية جهادية- لأسباب تخدم المصالح الغربية.

الآلة الإعلامية التي سوّقت “إجرام” هذه الجماعات و”ممارساتها الشاذة” على أنها ممارسات إسلامية جهادية؛ لم تكلف نفسها أن تتحرى صدق هذه الممارسات التي ربما تكون ملفقة لا أصل لها من الصحة؛ لأن تسويق مثل هذه الأخبار يخدم أجنداتها السياسية، ويمثل انبطاحها الكامل للمشروع الغربي ضد المشروع الإسلامي.

هذه الآلة لا تعاتب ولا تجادل، وليس لنا أصلًا أن نجادلها؛ لأنها افراز غربي من مجموعة افرازات تمثل الحالة الغربية الهيستيرية التي تهاب المشروع الإسلامي برمته -حتى ولو لبس أصحاب هذا المشروع العباءة الغربية وتمسّحوا بها وطلبوا البركة منها-.

لكن الغريب في الأمر؛ أن يسوّق من يدعي أنه مناصر للمشروع الإسلامي هذه الممارسات الشاذة الإجرامية على أنها جزء من الدين الإسلامي بنية نصرة جماعة من الجماعات الإسلامية التي ربما تمارس الطريقة الإجرامية الشاذة التي يتبرأ منها الإسلام وتتبرأ منها الفطرة البشرية الإنسانية.

هذه الحالة الشاذة المختلة التي وجدت في واقع شاذ مختل في ظروف شاذة مختلة؛ كوّنت تلك الصورة الدموية عن المشروع الإسلامي، بفضل الآلة الإعلامية الغربية-العربية المدلسة بمباركة لمناصرين طغى عليهم الجهل وسيطرت على عقولهم أوهام ظنوا أنها الصواب؛ بقلة علمهم ومعرفتهم بسبب قوقعتهم داخل جماعاتهم، والتي أنتجت غلوهم في جماعتهم وغلوهم ضد الجماعات الأخرى التي تعمل في الحقل الإسلامي.

ولعل هذه الفرقة المناصرة لجماعتها بغلو وتطرف وإقصاء لكل مَن يخالفها؛ كانت أكبر نكسة للجماعة نفسها. وأكبر مثال على ذلك؛ مناصرو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الآلة الإعلامية العربية والغربية كان لها دور كبير في تشويه التنظيم وصناعته، لكن الدور الأكبر كان لمناصري التنظيم الذين لم يهاجروا للأرض التي تسيطر عليها داعش.

هذه الفئة المناصرة؛ نقلت أخبار التنظيم كلها عن الإعلام الغربي قبل العربي، وحتّى قبل مصادر التنظيم نفسه، وبررت له الأخطاء الشرعية والسياسية دون علم شرعي، ولا فقه سياسي، ولا تقدير لفقه الواقع، وكونت حالة من الجهل لحقت بكل أبناء المشروع الإسلامي.

هذه الحالة (الداعشية) التي كونها الغرب بمساندة عربية بطريقة إعلامية بيد إسلامية مناصرة على أكتاف التنظيمات الإسلامية؛ عكست تلك الصورة الدموية الشاذة المختلة عن المشروع الإسلامي.

اهتم العالم (بالداعشية) واعتبرها قضيته المركزية، وتغافل عن (الداعشية) الغربية وممارساتها المجرمة في كل بقاع الأرض، وتغافل هذا العالم عن (داعشية) ولاية الفقيه وكل من بايعها؛ فربما وصفهم بالداعشية هو ظلم لداعش والحالة الداعشية التي تخجل من ممارساتهم الإجرامية التي فاقت كل التصورات المتوقعة.

لا أعتقد أنه يوجد اليوم في العالم نظام قوي له مكانته ونفوذه لا يمارس (الطريقة الداعشية)، لكن كل هذه الأنظمة تمارس هذه الطريقة بغطاء يبرره لها العالم، فالديمقراطية غطاء، ومحاربة الإرهاب غطاء، والليبرالية غطاء، والمحافظة على مصالح الشعوب غطاء.

لذلك؛ يسمح العالم للأنظمة النافذة بممارسة الداعشية بكل سهولة دون عرقلات ومعوقات وتضييقات. فإذا جربت أمريكا مثلًا ممارسة الداعشية بغطاء إسلامي؛ فهل سيقف العالم متفرجًا أم سيحاربها؟!

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات