أحمد القاعود: مرارة أن تكون عربيا!

في البحر غرقى كأنهم أسماك لفظها البحر بعد نفوقها، وفي الشاحنات قتلى متراصون وكأنهم لحوم مجمدة في طريقها لإشباع بطون فئة من فئات البشر!

ماذا بقي من إنسانية العالم إزاء عمليات الإبادة الطاحنة لأهل سوريا؟! وأين اختفى الضمير البشري في لحظات انحطاط نادرة لم يسبق لها مثيل؟! من لم يمت بالكيماوي أو براميل متفجرة مدعومة دوليًا مات في عرض البحر غرقًا أو في شاحنة خنقًا، أو نتيجة لعدوان بطلجي على أرض عربية تمارس العنصرية ضدهم، مصر نموذجًا!

أربع سنوات ونصف لم يتمكن العالم، وتحت بذاءة فكرة المصالح، في وقف عملية قتل وابادة شاملة وغير مسبوقة لشعب بأكمله؛ فزهاء 300 ألف قتيل وعشرات الآلاف من المعاقين والمصابين وملايين المشردين في كافة أصقاع الدنيا، لم يوخزوا ضمير أحد للتدخل لوقف المقتلة الدائرة هناك. المرة الوحيد التي حاولت الإدارة الأمريكية التدخل فيها للتحرك ضد نظام وحشي إرهابي لم تكن لصالح السوريين، وإنما لصالح الكيان الصهيوني بنزع أسلحة النظام الكيماوية، ومنع أي تهديد مستقبلي للكيان إذا ما وصل أي طرف للحكم هناك.

خلال السنوات الماضية، حوّل المجتمع الدولي، الوحشي، ثورة شعبية أصيلة تطالب بالعدل والكرامة والحرية ضد نظام دموي إلى حرب أهلية طاحنة قطعت أوصال البلد، وشردت شعبه، واستحالت الثورة توصف هنا وهناك بأنها إرهاب تتعرض له الدولة السورية لمواقفها الممانعة ضد إسرائيل، ولعلك إذا توجهت بالسؤال إلى أي إسرائيلي: ما رأيك فى بشار الأسد؟ يجيبك على الفور بأنه أسدى لدولتهم خدمات لم يقدمها أي زعيم أو قائد صهيوني في تاريخها! تمامًا كما تصف الصحافة الإسرائيلية نظير الأسد في مصر، عبدالفتاح السيسي، بأنه بطل قومي لليهود.

الأكثر مرارة في هذه الأزمة الإنسانية هو الموقف المخزي للدول العربية؛ فبينما يتشكل حلف عربي روسي للإبقاء على الأسد في حكمه بعد 4 سنوات من الخراب ودون مراعاة لحرمة دماء مئات الآلاف من شهداء العرب، هو الغياب التام عن قضية اللاجئين، المعذبين فى الأرض، وبينما يعاملون بعنصرية شوفينة وحشية من مجتمعات شقيقة لهم، لبنان ومصر على سبيل المثال؛ فإن هناك تحضرًا مقبولًا وضميرًا إنسانيًا يلاقيهم في أوروبا وبلاد الغرب!

في مصر مثلًا، حرضت وسائل الإعلام الناطقة باسم 30 يونيو الكريهة ضد السوريين والفلسطينيين على حد سواء، ووجه النظام القمعي أبواقه للانتقام من هؤلاء الفارين من جحيم الأسد، بحثًا عن فرصة نجاة وأمل في الحياة، وكأنه يعاقبهم على عدم الموت بهدوء ودون ضجيج أو شكوى على أرض قائدهم السفاح الذين أزعجوه بثورتهم ضده، ولعلك تقرأ أخبار الانتهاكات التي يتعرض لها هؤلاء على أرض مصر، والتعامل القسري العنيف والمخزي من أجهزة الأمن عقابًا لهم على جنسيتهم السورية.

على مواقع التواصل، بدأ عدد من المستخدمين الرافضين للواقع العفن الذي تحياه الأمة العربية في مقارنة ردود أفعال وتصريحات مواطنين من دول عربية تجاه اللاجئين السوريين وردود أفعال مواطنين من أوروبا، حيث يلجؤون هناك، قارن بين قسوة بعض العرب تجاه أشقائهم وعنصريتهم المقيتة المشحونة بأفكار بذيئة غرستها أنظمة خيانية فجة وبين تصريحات إنسانية ترحب بأولئك المختلفين دينيًا وفكريًا وثقافيًا عنهم!

قارن موقف الحكومات العربية من أزمة اللاجئين السوريين وما قدمته إليهم وكيف تعاملهم وتتصرف معهم وبين موقف أوروبا تجاههم في أزمتهم الإنسانية، بغض النظر عن موقف هذه الدول السياسي، المعرقل لتدخل يطيح بالأسد ونظامه حتى الآن.

اجمع واحسب مليارات تنفق على حروب وأسلحة تتحول بعد سنوات إلى (خردة)، وشراء فيلات وقصور وإنفاق مليارات على وسائل دعاية سوداء لإجهاض ثورات وقمع حريات، وانظر ماذا لو أنفقت هذه المليارات على هؤلاء اللاجئين أو كم المدن الحقيقية أو المخيمات التى يمكن أن تبني لهم كاملة المرافق والخدمات.

إذا كانت الصورة في العالم العربي بذيئة إلى أبعد مدى، فإن تغييرها مرهون بإصرار شعوب على انتزاع الحرية وإقرار العدل والسلام الاجتماعي؛ فنظرة إلى أوروبا قبل مئات السنين كفيلة بأن تمنحك الأمل بأن هناك تغييرًا ما سيحدث وأن حقًا إنسانيًا سيصل إليه العرب. هذا الحق مرهون بالإصرار على المطالبة بالتغيير بعيدًا عن شوفينيات وعنصرية فجة زرعتها أنظمة الغدر والخسة والخيانة في جذور شعوبها المنكوبة.

النقاش — 2 تعليق

  • محمد سبتمبر 1, 2016 on 9:40 ص

    انت ما قريت كلام حمد بن جاسم في صحيفة الفايننشال البريطانية قال تلقينا الضوء الاخضر للتدخل في سوريا وحصل تنافس بيننا وبين السعودية في سوريا بعدين كيف تكون ثورة والخليجين والاتراك يدخلون المرتزقة من كل العالم الي سوريا مع الاسلحة وفي البحرين كانت في مظاهرات الخليجين اعتبروها مؤامرة خارجية وقمعوها والجزيرة م ركزت عليها

    Reply
  • خالد أكتوبر 17, 2016 on 9:59 ص

    خالد
    العرب حالهم متدهور ، والشعوب العربية تحتاج فعلا إلى التغيير ، لكن المشكلة أن الأوضاع الثقافية والفكرية عند العرب والمسلمين لا تساعدهم في التحول نحو الأفضل لأن كل البنية الثقافية والفكرية لديهم مرتكزة على مفاهيم خاطئة ومضللة زرعها الدين منذ زمن طويل في عقولهم ، ولهذا كل ما يحاول العرب الهروب من واقعهم التعيس ومن حكم العسكر المليء بالإستبداد والفقر والتخلف يجدون أنفسهم يسقطون مرة أخرى في فخ الإسلاميين وإستبدادهم وتطرفهم وتفردهم بالسلطة وهم كالمستجير من الرمضاء بالنار .. لن ينال العرب ما يستحقونه من عدل وإزدهار وتنمية وحكم رشيد إلا بتغيير شامل في المنظومة الفكرية وهذا في رأيي لن يحدث على الأقل في خلال الـ 50 سنة القادمة لأن الموضوع يحتاج إلى تعليم جديد وتنشئة جديدة وحزمة إصلاحات قوية وصادمة ومؤلمة.

    Reply

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات