آن الأوان لفتتح أفقا روحيا للإسلام

حمزة ياسين – التقرير

“سيكون القرن الواحد والعشرين روحانيًا أو لن يكون” – أندريه مالرو

يدخل العالم اليوم في محطات جديدة ومتنوعة، من ثورة معلوماتية وتطور تكنولوجي وتضخم للسوق واتساع في المجتمع المعلوم، وهو ما يجعل الإنسان في حيرة من مآلات هذا الوضع، مسبباً له أحياناً نوعاً من التفاؤل، وأحيانًا أخرى نزعات تشاؤمية عدمية.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة لمن يروي الظمأ الروحي الذي نتج عن التغيرات المتسارعة لهذا العصر، ويتوجب علينا نحن كمسلمين أن نقدم إجابة عن هذا السؤال، باعتبرنا نملط في تاريخنا تراثًا روحيًا عظيمًا قادرًا على أن يتم إحياؤه وموضعته في السياق الحديث.

من هنا يُطل علينا إريك جوفروا، الذي أسلم في عمر الـ29 بعد بحثه عن الأديان إلى أن وصل إلى التصوف الإسلامي الذي تبناه وحمل هم تقديمه للعالم الغربي، ويُقدم لنا في كتابه المستقبل الروحاني للإسلام مقاربات وطروحات فكرية وعملية حول إمكانية تشكل روحانيات إسلامية معاصرة مستندة لمنجزات التصوف الإسلامي.

*** *** ***

مشكلة العالم الإسلامي والعالم الغربي

ابتداءً، يعلق إريك جوفوروا على التطرف الذي حصل للعالم في توجهه نحو الماديات بأنه عندما يحدث تطرف باتجاه ما فإن التاريخ سرعان ما يعود إلى الاتجاه المعاكس يوما ما كي يحدث التوازن، ولذا ستؤدي المبالغة في الاتجاه المادي إلى سير واتجاه عصرنا نحو الروحانية.

ويظهر ذلك في التوجهات الروحانية التي تظهر في الغرب، بل وفي الاهتمام الغربي بالتصوف الإسلامي ورموزه، سواء من قبل علماء الفيزياء الحديثة أو الفلاسفة المهتمين بالروحانيات، أو حتى في الأدب والسينما التي تلتفت إلى الجوانب الصوفية في التراث الإسلامي.

ومن هنا، فإن ما يريد جوفوروا التأسيس له في هذا الكتاب هو كيف يمكن أن يتجلى موقع الإسلام الروحاني ضمن حالة عصر قد يأِسَ من المادية والفراغ الروحي إلى أن أورث نزعات عدمية وروحية أيضاً، منبهًا إلى أن هذه الإمكانية لا تنجلي إلا مع تجاوز عقبتين متصلتين ببعضهما، ألا وهما عقبة التصلب والانغلاق التي أصابت التدين الإسلامي، اليوم، وعقبة الانفتاح والانخراط مع أفق العصر الحديث.

لذا يطالب جوفوروا بعمل ثورة في المعنى على كافة المستويات المتعلقة بالإسلام، وعلى العمل على إنعاش التصوف باعتباره الممثل الروحاني للإسلام عبر التاريخ، ولكن ليس قبل عمل “ترميم للمعنى” لهذا التصوف الذي أصابه ما أصابه عبر الزمن.

فيعمل في هذا الكتاب على الكشف عن ما أسماه بانقلاب القيم التي أصابت المسلمين جراء توقف الاجتهاد وسيادة الانغلاق، محاولًا تلمس مواضع انقلاب قيم الانفتاح والتعددية وإعمال العقل إلى قيم معاكسة لجوهر الإسلام، وبالرغم من وجود بعض الخلل في هذه الرؤية بسبب نقص المقاربة التاريخية لمراحل هذا القلب في القيم، إلا أن المراد الذي يريد الوصول إليه الكاتب هو وجوب التجديد وتجاوز الحالة الراهنة، والانفتاح على البشر الآخرين وتحقيق التفاعل خلاق معهم.

ولعل أهم مواضع الخلل في أنماط التدين السائدة هو أنا تنتج تدينًا مفرغًا من الوهج الروحاني، ما يعني أنه تدين مميت وقاتل، وهو ما يجعلها أيضًا عرضة للانحسار أمام مد العولة والسياق العالمي الذي نُقبل عليه.

ومن هذا المنطلق، يحاول جوفروا، أن يقدم التصوف الإسلامي كبديل عن كل من التكلس العلموي السائد في الغرب، والعولمة الاستهلاكية المنتشرة من جهة، وللتصلب الديني السائد في العالم الإسلامي من جهة أخرى، عن طريق عمل ثورة في المعنى في مادة التصوف الإسلامي.

والهدف من هذه المقاربة هو إقامة علاقة روحانية وشخصية مباشرة مع المقدس الإلهي، وهو ما نادى به الإسلام في مطلع الوحي، وعلى اعتبار أن هذا الاجتهاد الروحاني يقدم تصورًا ورحانيًا إنسانيًا يضع الإنسان في قلب المشروع الإلهي في هذا العالم، ولا تفصله عن الدين كما فعل التنوير الأوروبي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه العلاقة الروحانية وسيلة للاستفاقة، لأنها تدعو إلى تجرير الفضاء الداخلي للإنسان لتجعله يتوصل إلى التحرر الوحيد الذي له معنى، أي التحرر الذي يُخلصه من الأوهام والأهواء والانفعالات الشهوانية الغرائزية.

ما يشير إليه جوفروا هو أن الإسلام مُطالب بأن “يتموضع بالقياس إلى الحداثة”، على اعتبار أن الحداثة قدمت إيجابيات لا تُنكر مثل أولوية العقل البشري والحرية الفردية والديمقراطية والرفاهية والتكنولوجيا، ولكن هذا لا يعني عدم وجود نقد لمشروع التحديث هذا، والذي برزت تيارات عديدة تدين نتائج منجزات الحداثة، وهي التي أنتجت 3 أشكال من العيمنة هي: العقل الأداتي الانتهازي البارد، والاحتفال بالتقدم التكنولوجي المُتواصل، واستعباد الطبيعة والإنسان ضمن الرؤية المادية.

ولكن هذا يجعل المسؤولية أعظم نحو بلورة وعي روحي إسلامي معاصر ينسجم وروح العصر، فمن سمات هذا العصر العولمي تسير الزمن، وسيادة الانطباع بأن كل شيء متغير وعلى نحو متسارع، وأمام ذلك، يطرح جوفوروا تساؤلاً مفاده: كيف يُمكن لنا أن نحافظ على وجود وعي روحاني، أو فضاء جواني غير مُفسد بواسطة ضجيج العالم وتفاهته؟ وذلك في خضم عالم الثورة المعلوماتية واللحظة الإعلامية الفورية.

فهذا المسار الأفقي المحض يحقق عجزاً في تحقيق الازدهار لشخصية الإنسان، بل والكشف عن طاقاته الضارة أو الشريرة.

ما يمكن أن يشكل أفقًا ذلك هو التصور الذي يحييه جوفوروا عن الصوفي باعتباره “ابن اللحظة”، وهو ما يمنحه القدرة على إدراك النور الإلهي في أي لحظة يعيش فيها، وبالتالي تهيئة الأسباب الممكنة لتحقيق هذا التواصل معه.

وينسجم مع ذلك مع روح الشريعة التي تعني الطريق المؤدي إلى النبع، بمعنى أنه ذات ديناميكية تمنحها قدرة على التموضع في أي لحظة تاريخية من خلال منظومة القيم المرنة التي تحملها، فهي “تحتوي على المبادئ الفكرية التي تحدد المعرفة الصحيحة والأساليب العملية لإكمال الصفات الحميدة للإنسان. وبالتواصل مع نظرية مقاصد الشريعة، لا يكون للشريعة معنى خارج المقاصد الروحية والأخلاقية التي تهدف إلى خدمتها.

ويزداد هذا الطرح إلحاحًا مع الوعي ببروز النزعات العدمية الفاقدة للمعنى، كرد فعل على هيمنة نمط الحياة الحديث بماديته وصلابته، وكنزوع تفكيكي للعالم، فيعلق جوفوروا على هذا الوضع بأن الروحانية تبدو اليوم صحيحة ومشروعة بل وضرورية، “فإذا كان العالم الظاهري لم يعد ذا معنى، فإننا أمام خياريت لا ثالث لهما: إما أن يكون هذا الواقع محصوراً بهذا الإدراك، الشيء الذي يعني موت الله والإنسان في آن معاً، أو أن المعنى موجود في مكان آخر: أي فيما رواء إدراكاتنا الحسية، بمعنى أنه يتموضع في الحقيقة الكبرى المخفية، أي حقيقة المتصوفة العليا”.

ترافق هذا النزوع العدمي مع بروز نزعات روحانية في الغرب أيضاً كما ذكرنا سابقاً، هذه النزعات تقدم نفسها كبديل عن كل من المادية والدوغمائية الدينية، فهي لا تسعى بالضرورة أن تقدم نفسها بقالب ديني مؤمن، بقدر ما تسعى إلا التواصل مع أفق روحاني شخصي داخلي محض، بمعنى أنها تنطلق من نزعة فردانية دينية متزايدة.

ويعلق جوفروا على هذه النزعات أيضًا بقوله إن أصحاب هذه النزعات “يركزون على ازدهار الشخصية الفردية وسعادتها أكثر مما يركزون على العلاقة مع الله”، ويضيف بالقول بأنه “يتفهم موقف هذه الحركات من حيث كونها تحاول شفاء الأمراض العصابية والجراحات النفسية الأخرى عن طريق الروحانية”، ولكنه يأخذ عليها “أنها ترفض أي وضع للأنا البشرية على محك الاختبار قبل الانخراط في الطريق الروحاني” على اعتبار أن هذا الاختبار يشكل جزءًا لا يتجزأ من الطريقة الصوفية الروحانية، ما يطرح على هذه النزعات والحركات تساؤلات تصب في مدى أصلاتها وصحتها في المجال الروحاني.

*** *** ***

يختتم إريك جوفوروا كتابه بالتأكيد على ضرورة التجسد الاجتماعي للطريق الروحاني الذي سيتأسس على تلك الرؤية الصوفية، منبهًا على الإشكالات الموجودة عند الجماعات الصوفية القائمة، اليوم، من تجييرها لصالح نُظُم سياسية معينة، وغرق بعضها في أنماط من التدين الشعبي البسيط الذي يصيب التصوف ذاته بحالة قلب القيم الذي تحدث عنها الكاتب في البداية.

ويشير أخيرًا إلى آفة فقدان الذاكرة التي أصابت وما زالت تصيب المفكرين الإصلاحيين الإسلاميين، الذين يعتبرون التصوف وجماعاته هم السبب في التخلف والوهن الذي أصاب الأمة، متناسين الإنجازات الاجتماعية والنفسية والثمينة للتصوف، ومتغاضين عن حضور العديد من الجماعات الصوفية في محاربة الاستعمار والدفاع عن حقوق الأمة.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    منذ بداية ثورات الربيع العربي، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الدردشة وصفحات الإنترنت تغيرًا ملحوظًا في توجهات شريحة كبيرة من الشباب العربي وتحديدًا المثقفين منهم، نتيجة لتسارع أحداث هذه الفترة، فظهرت على إثر ذلك مصطلحات وألفاظ ومفرادت جديدة ومبتكرة تولدت من رحم هذه الأزمة؛ لتُعبّر عما يختمر في أذهان كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استحدث الشباب طريقة كتابية جديدة هي خليط من الحروف العربية والإنجليزية (تسمى الفرانكوأراب أو الأنجلوعربية) تعبيرًا عن تسارع الأحداث وكلغة مبتكرة وسريعة..

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

        “سيدي الأستاذ النابغة: محسوبُك كاتب هذا – الأسطى حنفي أبو محمود – من كان له الشرف أن يُقلك فى عربته مرارًا، إما منفردًا أو مع زمرة من إخوانك...

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    عثمان جمعون – مدير نشر موقع الشمال24 منذ مغادرتي لمقاعد المدرسة، وأنا أجد تعظيما مبالغاً فيه للشواهد التعليمية، حيث أنه لا يمكنك أن تقدم شيء ذا بال لدى الدولة...

    المزيد من التدوينات